الصورة
خصائص السنن الإلهية وأبعادها العلمية والحضارية

يدرس هذا البحث خصائص السنن الإلهية ودلالاتها في القرآن والسنة المطهرة، وأبعادها العلمية والحضارية وأهميتها في بناء الأمم وارتقائها. وسوف تتناول الدراسة الأمور التالية: الحديث عن أهمية البحث وحدود الدراسة ومصطلحاتها. وخصائص السنن الإلهية وأبعادها العلمية والحضارية. والسنن الاجتماعية طريق إلى بناء الأمم وارتقاء الحضارات. والخاتمة: النتائج وأهم التوصيات.

 

فالسنن الإلهية وحسن التعامل معها من المفاتيح الرئيسة لفهم الكون والإنسان والحياة، والإسهامُ الفاعل في بناء الأمم وارتقاء الحضارات وإصلاحها، وبخاصة المستقبل الحضاري للأمة الإسلامية، نظراً لما آلت إليه من الضعف والهوان، والتفكك والتجزئة وتكالب الأمم عليها.. كما يعتبر الكون بطبيعته السماوية والأرضية، وعناصره وظواهره وكل طاقاته، الميدان والمختبر الحقيقي للكشف عن هذه السنن والآيات والقوانين المسخرة بين السماوات والأرض، لإثراء المعرفة وتوليد الطاقات الكامنة فيه؛ لامتلاك القدرات التي تساعد على تحسين الحياة وتحقيق النهضة. فالقرآن الكريم أعطى السنن الإلهية قيمة عليا وخطاباً متميزاً، وأمر الإنسان أن يُفعِّلَ نشاطه وطاقاته ومحاولاته وقدراته ليصبها في استكشافها واستثمارها وتوظيفها في عمارة الأرض وإصلاحها، لأن إدراك هذه السنن واستكشافها والتجاوب مع مسخراتها، يفتح للإنسان آفاقاً علمية لا حدود لها، ويحقق له منافع وأبعاداً حضارية راقية.

 

 لم يلق موضوع السنن الإلهية من الاهتمام المطلوب، بالرغم من أن دراسة المنهج السنني في القرآن الكريم يحتاج إليه المربين والمصلحين والمفكرين والعلماء على تنوع تخصصاتهم؛ لأنه يعطي لهم جميعاً الزاد والوقود والانطلاقة والمنهج والرؤية والمعالم والدلالات العلمية والمنهجية التي يحتاجون إليها. وإن إحياء فقه السنن الإلهية والمنهج السنني في القرآن والسنة وتفعيل التفكير السنني في الحياة واستثماره في مختلف التخصصات مطلوبٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى، كما أنه لا يقل أهمية عن فقه الصلاة والزكاة.

 

وترجع أهمية البحث إلى المساهمة في إعادة تشكيل العقل المسلم، واستعادة الدور الحضاري للأمة المسلمة، وتجديد قدراتها وشحن طاقاتها؛ حتى تكون على مستوى دينها وقرآنها وعصرها، والبرهنة على وجودها في التمكين والخيرية والشهادة على الناس، وتحقيق الاستخلاف المطلوب، والمستقبل المأمول؛ لأن الأمم التي لا تتقدم تتقادم!، والتي لا تتجدد سوف تتبدد.

 

وفيها أهم النتائج والتوصيات. بعد دراسة الخصائص العامة للسنن الإلهية وأبعادها العلمية والحضارية، يمكننا أن نسجل أهم الحقائق والنتائج التي تميزت بها هذه الخصائص، وما تحققه من وظائف وأهداف علمية وأبعاد حضارية على النحو التالي:

السنن الإلهية بكل أنواعها تتميز بخصائص من أهمها: أنها طاقات وقوى وتقادير ربانية، قوانين كامنة في ماهية الأشياء وطبائعها، ومن هذه السنن ما يتعلق بالتشريعات أو الوقائع التي جرت عادات الله تعالى بإنزالها بعباده على أعمالهم الاختيارية ثواباً أو عقاباً على مقتضى علمه وإرادته وعنايته وعدله، بوصفه جلّ جلاله رب كل شي ومليكه، وأن هذه السنن مسخَّرَة وقابلة للكشف، ولو لم تكن كذلك لما استطاع الإنسان بإمكان عقله وحسه أن يصل إلى شيء من كشفها أو الاستفادة منها على الاطلاق، وأنها تتسم بالثبات فلا تتبدل ولا تتحول، وأنها مضطردة منتظمة لا تتخلّف وأنها محايدة تستجيب لكل من يتعقلها ويأخذ بأسبابها الصحيحة، وأن لها سمة التداخل والاشتراك برؤية شمولية متكاملة.

 

تؤكد الدراسة لخصائص السنن الإلهية أن الكون بطبيعته السماوية والأرضية وبكل عناصره وظواهره وعلاقاته، يتصف بكل معاني الخير والنعمة والبركة، وأنه مخلوق مسخَّر طائع قانت مسبح لله تعالى، وأنها تستبعد عنه كل مظاهر الشرك والألوهية وكل معاني التقديس والعبادة، وتتجاوز التفكير الخرافي الأسطوري، ومعاني الإلحاد والحلول والصدفة والعبثية والعشوائية، وإبعاد مفاهيم التحدي وقهر الطبيعة، والصراع والتناقض وغير ذلك من التصورات المادية.

 

وللإيمان مهمة عظيمة لفهم السنن الربانية واكتشافها واستثمارها، كما أنه مربط القراءة الصحيحة والموضوعية للكون والإنسان والحياة، والعامل الإيجابي للمحركات الفاعلة لكل أنشطة الحياة.

تؤكد الدراسة على أهمية القيم الإيمانية والأخلاق الشرعية ومراعاة السنن الاجتماعية ودورها في التغيير والإصلاح وتعزيز القيم الإنسانية الفاضلة، وأن عدم الالتزام بها يؤدي إلى ضعف المناعة الأخلاقية والقيم الإنسانية والحضارية، وأن الورثة الصالحة للحضارات والعاقبة لا تكون إلا للمتقين.

 

كما تفيد الدراسة أن السنن الربانية بما تتصف به من خصائص وميزات هي المفاتيح البناءة للارتقاء الحضاري، والشرارة التي ينطلق منها الإنسان في البحث وتدفعه إلى التجريب، وتيسر له سبل الحياة، وتعطيه منعة ونشاطاً وروحاً تسري في قطاعات الحياة كلها، وهي بالجملة، حجر الزاوية للتقدم والنهضة والبناء والتعمير.

 

كشفت الدراسة أن المنهج السنني في القرآن الكريم والسنة المطهرة، هو أول من وضع البذرة الأولى لعلم السنن، الذي يعد من أهم العلوم الحيوية لدراسة سنن الله في الأنفس والآفاق، والتي تشمل السنن الهادية والسنن البانية بما فيها السنن الكونية والتشريعية والإنسانية والنفسية والاجتماعية أو التاريخية والحضارية، وقد قدم في ذلك منهجاً متكاملاً ميسراً، وكشف فيه عن دور الإنسان وقدرته في صناعة الحضارة، وإسهامه في إثراء المعرفة وبناء المستقبل.

 

وللسنن الربانية علاقة وثيقة بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنّة المطهرة، وأثر كبير على الفكر الإنساني العالمي بشكل عام. 

 

وختاماً: أوصي الأطراف الفاعلة في هذا اليوم العلمي، وبهذه المناسبة المباركة إطلاق مسمى «علم السنن الربانية»، والإعلان عنه كعلم جديد له مفهومه المحدد وموضوعاته المتميزة وخصائصه وأنواعه ومجالاته وميادينه ووظائفه، وتأصيله تأصيلاً إسلامياً وعلمياً صحيحاً، وأن تشترك لجنة علمية متخصصة وفريق من مختلف التخصصات في وضع كتاب ممنهج؛ ليكون مقرراً للدراسات الجامعية كثمرة من ثمار هذا اليوم العلمي وتحقيق أهدافه.

 

أ.د. راشد شهوان