صورة

 فِطْرَةُ اللهِ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ

محاضرةٌ أ.د. حامد شعيب الإدريسي

الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

 

تمهيدٌ في المقصود بالفطرة

الفِطْرةُ — بمعناها الاصطلاحي — هي الصِّبْغَةُ الإلهيَّةُ التي خُلِقَ عليها كلُّ موجود. وقد استعار العلامةُ سعيد النُّورسي هذا اللفظَ من صناعة الضَّرْبِ على العملة، حيث تُوضَع الدَّمْغَةُ دلالةً على صِحَّةِ الصَّنْعِ ووَحْدَةِ المصدر. فكما أنَّ الدَّمْغَةَ تثبتُ أنَّ النَّقْدَ صادرٌ من دارِ سِكَّةٍ واحدةٍ، كذلك تشهدُ خصائصُ الخلقِ بواحديَّةِ الخالق.

وهذا ما أشار إليه اللهُ تعالى في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: 30]. فالدِّينُ هو الجزءُ الخارجيُّ المنظِّمُ، والفِطْرةُ هي الجانبُ الآخرُ المُكَوِّنُ الذي لا يستطيعُ الإنسانُ تغييرَه.

 

أولاً: الثُّنائيَّةُ في الكون

الثُّنائيَّةُ — ذكورةٌ وأنوثةٌ — ليست خاصَّةً بالإنسان، بل هي بصمةٌ إلهيَّةٌ في جميع المخلوقات:

  • في الجماد: طاقةٌ موجبةٌ وطاقةٌ سالبةٌ
  • في النبات: ذكرٌ وأنثى تتجلَّى في الأزهار بالجمالِ والرائحةِ
  • في الحيوان: ذكرٌ يتقدَّم بالسعي، وأنثى ساكنةٌ تنتظرُ

ولكنَّ الفارقَ الجوهريَّ: أنَّ الجاذبيَّةَ الجنسيَّةَ في الحيواناتِ محدودةٌ بزمانِ التناسلِ، بينما في الإنسانِ مستمرَّةٌ لا يحدُّها ظرفٌ ولا زمانٌ. ولو استجابَ الإنسانُ لها بمقدارِ ما هي فيه لكانت سبباً في دمارِه أخلاقياً وحضارياً.

 

ثانياً: طاقتان متكاملتان

الطاقة الذكورية: الدافعة

هي طاقةٌ فاعلةٌ متحرِّكةٌ، تدفعُ الرجلَ نحوَ البناءِ والسعيِ والتنافس. وهي في أصلِها غريزةٌ جنسيَّةٌ، لكنَّها إذا وُجِّهَتْ صحيحاً تحوَّلَتْ إلى بناءٍ حضاريٍّ.

الطاقة الأنثوية: الساكنة

هي طاقةٌ ساكنةٌ تحتاجُ إلى إثارةٍ خارجيَّةٍ. وفي مقابلِ الشهوةِ الدافعةِ عندَ الذكر، هناك عندَ الأنثى طاقةُ التمنِّي والانحباسِ والفرارِ. هاتان الطاقتانِ — إذا توازنَتا — خلقتا ميزاناً معتدلاً يدفعُ نحوَ الزواجِ وبناءِ الأسرة.

 

ثالثاً: نظرية محرك BMW

طوَّر الدكتورُ نظريَّةً تُسمَّى "محرك BMW" تشرحُ حركةَ المجتمعِ الفطريَّةَ:

Table

العنصر الدور
B — الرجل (Boy) يحملُ الطاقةَ الدافعةَ
M — المال (Money) الوسيلةُ للوصولِ
W —  المرأة (Woman) الهدفُ والغايةُ

كيف يعمل المحرك؟

الرجلُ يحتاجُ إلى المرأةِ، لكنَّ بابَها مغلقٌ بوالدِها وأخيها. فما الوسيلةُ؟ المالُ. إذاً يتحرَّكُ الرجلُ ليجمعَ المالَ، ويأتيَ به إلى بيتِ المرأةِ. وهي — بما أنَّها خُلِقَتْ سكناً — تفرَّغَتْ لأهمِّ مهمةٍ: صناعةُ الإنسانِ.

هنا تدورُ منظومةُ المجتمع:

  • الشهوةُ تولِّدُ أخلاقاً (لأنَّ بلا أخلاقٍ لا يُزوَّجُ أحدٌ)
  • الشهوةُ تولِّدُ مالاً (لأنَّ بلا مالٍ لا يُفتَحُ البابُ)
  • المالُ يصلُ إلى المرأةِ عبرَ الزوجِ
  • المرأةُ تُنشِئُ الأجيالَ

 

رابعاً: الفساد عند اختلال المحرك

الحالة الأولى: تذكير المرأة

إذا خرجتِ المرأةُ إلى سوقِ العملِ تنافَسَتْ الرجلَ، فأصبحَتْ:

  • لا تحتاجُ إلى الزواجِ للوصولِ إلى المالِ
  • تُنفِقُ طاقتَها الذكوريَّةَ في التنافسِ بدلاً من السكنِ
  • تتأخَّرُ عن الزواجِ أو ترفضُه

الحالة الثانية: تأنيث الرجل

إذا تيسَّرَ للرجلِ الوصولُ إلى المرأةِ بلا مالٍ ولا زواجٍ:

  • فقدَ الدافعَ لجمعِ المالِ
  • انحلَّتْ أخلاقُه
  • أصبحَ كسولاً عاطلاً

النتائج المترتبة:

Table

الظاهرة السبب
العنوسة خروجُ المرأةِ عن دورِها الفطريِّ
قلةُ المواليد اختلالُ التوازنِ بينَ الطاقتينِ
كثرةُ الطلاق تزعزعُ السكنِ النفسيِّ
انتشارُ الفساد سقوطُ الحواجزِ الأخلاقيَّةِ

 

خامساً: نموذج قريتي قاف وشين

قريـة قاف:

  • 100 رجلٍ و100 امرأة
  • 100 وظيفةٌ للرجالِ، صفرٌ للنساء
  • النتيجة: 100 زواجٍ، صفرُ عانسٍ، صفرُ عاطلٍ
  • بعدُ 10 سنواتٍ: 500 طفلٍ

قريـة شين:

  • 100 رجلٍ و100 امرأة
  • 50 وظيفةٌ للرجالِ، 50 للنساء
  • النتيجة: 50 زواجٌ فقط، 50 عانساً، 50 عاطلاً
  • بعدُ 10 سنواتٍ: 100 طفلٍ فقط

الخلاصة: اختلالُ الأدوارِ يُنتِجُ انفجاراً اقتصادياً واجتماعياً سلبيَّاً.

 

سادساً: المرأة والرجل في الفطرة

ما تسأل عنه المرأة:

تسألُ عن وظيفته— أي: عن قدرتِه الماليَّةِ. لأنَّها تحتاجُ إلى الأمانِ لها ولأبنائِها.

ما يسأل عنه الرجل:

يسألُ عن جمالِها وطولِها ولونِها. لأنَّ عندَه الرغبةُ الدافعةُ، وهي تبحثُ عن الحمايةِ.

القوة الناعمة:

عندما يعملُ المحركُ الفطريُّ صحيحاً:

  • تكونُ المرأةُ خاضعةً لزوجِها
  • ليسَ لأنَّها ضعيفةٌ، بل لأنَّها محتاجةٌ إليه في نظامٍ متكاملٍ
  • الرجلُ يُحافظُ على زوجتِه لأنَّها وحيدتُه في المجتمعِ
  • لا يتعسَّفُ عليها لأنَّه لا يملكُ بديلاً

 

سابعاً: الوصايا القرآنية

قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. هذه ليست حَرْماً، بل هي توجيهٌ فطريٌّ لحمايةِ المجتمعِ.

المنظومةُ التي عاشَ عليها المجتمعُ قبلَ خمسينَ سنةً:

  • شابٌّ جادٌّ يجمعُ المالَ ليتزوَّجَ
  • امرأةٌ مهيَّأةٌ تنتظرُ الزواجَ
  • أسرةٌ متماسكةٌ صابرةٌ

هذا هو السكنُ النفسيُّ الذي بُنِيَتْ عليه الأسرةُ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّوم: 21].

 

ثامناً: في كتاب "الحجاب" للمودودي

أشار العلامةُ أبو الأعلى المودودي في كتابِه "الحجاب" — وهو موسوعةٌ فلسفيَّةٌ في قضيَّةِ الفطرةِ — إلى:

  • قوانين الفطرةِ وتأثيرِ الجاذبيَّةِ الجنسيَّةِ
  • أنَّ هذه الجاذبيَّةَ في الإنسانِ أشدُّ وأبقى منها في الحيوانِ
  • أنَّها إذا وُجِّهَتْ صحيحاً كانت بناءً حضارياً
  • وإذا أُهْمِلَتْ أو حُوِّلَتْ كانت هَدْماً

وهذا الكتابُ — للأسفِ — غائبٌ عن صناعةِ الوعيِّ الإسلاميِّ المعاصرِ، رغمَ أنَّه يُجيبُ عن أسئلةٍ حضاريَّةٍ عميقةٍ نعيشُها اليوم.

 

تاسعاً: الخلاصة

فِطْرَةُ اللهِ بينَ الذُّكورةِ والأنوثةِ ليست عيباً ولا نقصاً، بل هي تكاملٌ إلهيٌّ:

  • الرجلُ بانيٌّ بالطاقةِ الدافعةِ
  • المرأةُ ساكنةٌ بالطاقةِ الجاذبةِ
  • المالُ وسيلةٌ تدورُ بينَهما
  • الأسرةُ هدفٌ يجمعُهما

وما دامَ المجتمعُ محافظاً على هذا الميزانِ، دامَ متماسكاً مُنتِجاً. وإذا اختلَّ، اختلَّتْ معهُ الأجيالُ والحضارةُ.

 

تمَّ التحقيقُ والتنسيقُ بحسب ما سُمِعَ من محاضرةِ فضيلةِ الأستاذِ الدكتورِ حامد شعيب الإدريسي — حفظَهُ اللهُ ورعاهُ — في مساءِ يومٍ مباركٍ، على منصَّةِ الجمعيَّةِ الأردنيَّةِ لإعجازِ القرآنِ والسُّنَّةِ.