صورة

# **تأملات في سورة الجن**

## **محاضرةٌ للعلامة أ.د. فرحان الطائي**

### *الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة*

 

---

 

## **تمهيدٌ في المسائل المحيطة بالسورة**

 

### **أولاً: في إثبات الجن ونفي إنكارهم**

 

لم يُنكِر وجودَ الجنِّ إلا أهلُ الشقاق من الفلاسفة والأطباء والملاحدة. وأمَّا أهلُ الملل من السابقين واللاحقين — حتى من وُضِعت شريعته بغير وحيٍ — فقد أثبتوه. وذهب جمهورُ أهل السنة والجماعة إلى أن إنكارَ الجن كفرٌ مخرِّجٌ من الملة؛ لأنه تكذيبٌ بما ثبت في الكتاب العزيز بنصٍّ صريحٍ، وجاء ذكرُ الجن فيه في مواضعَ تزيدُ على التسعين.

 

### **ثانياً: في ترتيب السورة وسبب نزولها**

 

السورةُ السابعةُ في ترتيب المصحف، الرابعةُ في ترتيب النزول. نزلت بعد سورة الأعراف وقبل يس. وسببُ نزولها — كما ذكر البقاعي في *نظم الدرر* والسيوطي في *تناسب السور* — أنها جاءت بعد سورة نوح، لبيان أن الجنَ — وهم القومُ الذين كذَّبوا نوحاً عليه السلام — قد تفكَّروا فآمنوا، خلافاً لمن سبقهم من الإنس.

 

### **ثالثاً: في رؤية الجن**

 

**القول الأول:** الجنُّ لا يراه الإنسان على حقيقته أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿*إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم*﴾ [الأعراف: 27]. وهذا قولٌ ظاهرُ النص.

 

**القول الثاني:** وهو ما يميل إليه أبو حيان في *البحر المحيط*، والزمخشري في *الكشاف*، وطائفةٌ من المفسرين: أن النفيَ في الآية نفيُ حالةٍ لا نفيُ ذاتٍ. فقوله ﴿*من حيث لا ترونهم*﴾ يدلُّ على أنهم إذا خرجوا عن تلك الحيثية رُئوا، ولكن على صورةٍ مخفَّفةٍ لا على صورتهم الحقيقية؛ لأن تلك الصورة لا تُطاق.

 

ويدلُّ على القول الثاني ما ورد من تمثُّل الجنِّ بصورة الإنسان: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مع الجنيِّ الذي كان يسرق الطعام، ومن خروج الجنية من الشجرة التي بعث إليها النبيُّ ﷺ خالداً، فكانت منكوشة الشعر قصيرةً سوداء. ومن قول العرب: *أصابته الريح* — أي: الجنُّ؛ لأنهم كانوا يشبهونهم بالريح: إذا هبت هادئةً خُترقَت، وإذا هبت عاصفةً اقتلعت.

 

وأمَّا الأنبياءُ فهم يرون الجنَّ قطعاً، وقد يراهم غيرُهم من الصالحين.

 

### **رابعاً: في سلطان الجن على الإنس**

 

ورد في القرآن ما يُثبت السلطانَ وما ينفيه:

 

| الآية | الدلالة |

|-------|---------|

| ﴿*وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي*﴾ [إبراهيم: 22] | نفيُ السلطان المُكرِه |

| ﴿*إنما سلطانه على الذين يتولونه*﴾ [النحل: 100] | إثباتُ السلطان على المُتبع |

 

فالخلاصة: أن الشيطانَ لا يُكرِه أحداً على الكفر، ولكن له سلطانٌ على مَن تولَّاه باختياره. فإذا زاد الإنسانُ في طاعته قوِيَ وضعف الشيطان، وإذا قصُر ضعفَ وقوِيَ الشيطان.

 

### **خامساً: في لقاء النبي ﷺ بالجن**

 

للمسألة مذهبان:

 

**مذهب ابن عباس:** أن النبيَّ ﷺ لم يَرَ الجنَّ، وإنما نزلت السورةُ إخباراً من الله له بما سمعه الجنُّ من القرآن في وادي نخلة.

 

**مذهب ابن مسعود:** أن النبيَّ ﷺ لقي الجنَّ لقاءً حقيقياً، وكان ذلك أكثر من ستِّ مرات: في وادي الحجون، وأعلى مكة، وفي البقيع، وفي أسفاره. ومن أشهرها ما رواه البخاري: أن الجنَّ طلبوا منه أن يقرأ عليهم القرآن، فذهب إليهم وخطَّ حول ابن مسعود خطاً، فجلس يقرأ، فحضروا يحجلون من الجبل حتى غطُّوه، ثم انخفضوا حتى التصقوا بالأرض من خشية القرآن.

 

والجمهورُ على أن الجنَّ مكلفون بالعبادة كالإنس، وعليهم الحجُّ إذا استطاعوا إليه سبيلاً.

 

### **سادساً: في حمل الجن للأشياء**

 

لا يفتح الجنُّ باباً أُغلق باسم الله. وأمَّا إذا لم يُذكر اسمُ الله فإنهم يخترقونه كما تخترق الريح.

 

وقد سُئل الإمام الرازي: كيف يحملون الأشياء ويبنون؟ فأجاب: أترى الريح؟ إن مشيت فيها اخترقتها، وإن هبت عليك بقوةٍ قلعتك. فهم كالريح في قوتهم وضعفهم.

 

وقد سخَّر اللهُ الجنَّ لسليمان عليه السلام فعملوا له التماثيل والجفان والقدور، لا لأن ذلك من خصائص سليمان، بل لأنهم سُخِّروا له بالطاعة.

 

### **سابعاً: في تنوُّع الجن ومللهم**

 

﴿*قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم*﴾ [الأحقاف: 30].

 

الجنُّ فيهم اليهودُ والنصارى والمُعتزلة والشيعة والسُّنة. وقد ذكر الذهبي في *سير أعلام النبلاء* أن رجلاً مُصروعاً سُمِع من بطنه صوتٌ يقول: *اذهب فإن هذا يقول بخلق القرآن* — يعني: أن الجنيَّ كان معتزلاً ينكرُ صفة الكلام.

 

ولذلك قالوا: ﴿*تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً*﴾ [الجن: 3] — إنكاراً على النصارى الذين من الجنِّ كانوا يقولون بأن لله ولداً.

 

### **ثامناً: في الشهب واستراق السمع**

 

كانت الشهب موجودةً قبل البعثة، ولكن الله جعلها فيما بعد مرصداً للشياطين. وقد منع الله الجنَّ من السماع إلى الخبر عندما بُعث النبيُّ ﷺ، فأخذوا يضربون بالشهب. فذهبوا إلى إبليس، فبعثهم في الأرض ليستخبروا، فذهبوا إلى مكة فسمعوا القرآن.

 

وكانوا يتسلَّقون السماء كما أشار النبيُّ ﷺ بأصابعه، ويقعدون مقاعدَ طويلةً للسمع. وقد بيَّن الله أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم لو علموه لما احتاجوا إلى الاستخبار.

 

### **تاسعاً: في الرشد**

 

﴿*القرآن يهدي للتي هي أقوم*﴾ [الإسراء: 9].

 

الجنُّ لهم قدراتٌ عجيبةٌ في كل شيء، إلا أنهم ينقصون **الرشد**. ولذلك جاءت كلمة الرشد في القرآن أكثر ما جاءت مع الجن؛ لأنهم كانوا يبحثون عمَّا ينقصهم.

 

### **عاشراً: في أصل الجن وعمرهم**

 

اختلف العلماء: هل هم من ذرية إبليس أم من ذرية الجان؟

 

**القول الأول:** الجنُّ والشياطينُ كلُّهم من ذرية إبليس. فالمؤمن منهم جنيٌّ، والكافر شيطان.

 

**القول الثاني:** الجنُّ من ذرية الجان، والشياطينُ من ذرية إبليس.

 

وأمَّا أعمارهم فطويلةٌ جداً. وقد نقل السهل التستري في تفسيره — ونقله ابن الجوزي في *تلبيس إبليس* — أنه دخل مغارةً فإذا برجلٍ عظيم الجثة يلبس جبَّةً من صوف، فقال: *هذه لقيت بها موسى عليه السلام، وكنت مع عيسى من المؤمنين به، وكنت من صحابة محمد ﷺ*. ثم قال: *إن الزمان لا يبلي الثياب، إنما الذي يبليها كثرة الذنوب*.

 

### **حادي عشر: في أخبار الجن**

 

وردت أخبارٌ كثيرةٌ عن صحابة الجنِّ ومماتهم. فقد ذكر ابن حجر الهيثمي أن عمر رضي الله عنه رأى ثعباناً عظيماً يطوف بالبيت، فقال: *يا عبد الله إن أنهيت فاذهب، فإني لا أمن عليك من سفهائنا*. فشقَّ الأرض وغاص فيها.

 

وذكر ابن أبي الدنيا وغيره أخباراً عن تكفين الصحابة من الجنِّ، وعن دوابهم وأكلهم وشربهم. فقد دعا النبيُّ ﷺ لهم: *اللهم اجعل لحوم عظام دوابنا لحوماً لهم، واجعل روثها طعاماً لدوابهم*.

 

### **ثاني عشر: في نكاح الجن والإنس**

 

اختلف الفقهاء في المسألة. وذهب الإمام الغزي في *فتح القريب* إلى أنه إذا تمثلت الجنيةُ بجسدٍ إنسيٍّ فوقع بينهما ما يقع بين الزوجين، فهو نكاحٌ حقيقي. وعند الشافعية: إن لمسها على غير هيئتها فلا وضوء، وإن لمسها متشكلةً فالوضوء واجب.

 

وأمَّا في المنام فالأمرُ مختلف؛ لأنه منامٌ بأوله وآخره. وأمَّا في الحقيقة فنحن في عالم وهم في عالم، ولا يدخل من عالمنا إلى عالمهم إلا شرارنا، ولا يدخل من عالمهم إلى عالمنا إلا شرارهم.

 

### **ثالث عشر: في الرسل من الجن**

 

القول المشهور عند الجمهور: أن الرسل من الإنس والنذر من الجن. وهذا منقول عن ابن عباس.

 

لكن كثيراً من العلماء خالفوه؛ لأن الجنَّ مكلفون قبل الإنس، فكيف لا يكون لهم رسل؟ فذهب بعضهم إلى أن الرسل من الإنس والنذر من الجن إنما هو بعد آدم، وأما قبله فقد كان لهم أنبياء. وقد ذكر الألوسي أن إبليس كان من أنبياء الجن قبل فسقه.

 

### **رابع عشر: في الجنة والنار**

 

ذهب جمهور أهل السنة إلى أن الجنَّ يدخلون الجنة ويتنعَّمون. وقال أبو حنيفة: إنما جنتهم أنهم لا يُعذَّبون. والجمهور على خلافه.

 

﴿*لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان*﴾ [الرحمن: 56] — فيها حورٌ للجنيِّ وحورٌ للإنسي. وذكر ابن تيمية في *المجموع* أن الجنَّ يروننا في الجنة ولا نراهم، كما كان حالنا في الدنيا.

 

### **خامس عشر: في أصل إبليس**

 

اختلف العلماء: هل إبليس من الملائكة أم من الجن؟

 

**القول الأول:** إنه من الجن؛ لقوله: ﴿*إلا إبليس كان من الجن*﴾ [الكهف: 50]. وهذا ظاهر النص.

 

**القول الثاني:** إنه كان من الملائكة ثم صار من الجن؛ لأن ﴿*كان*﴾ قد تأتي بمعنى **صار**. كقوله: ﴿*كنتم خير أمة*﴾ — أي: صرتم. وهذا قول ابن عباس وطائفة من السلف.

 

والبغوي في *محيي السنة* يقول: إن الجنَّ كلهم لم يُخلقوا من مادةٍ واحدة. فمنهم من خُلق من نار الحجاب — وهي نارُ إبليس التي تباهى بها على الملائكة. فلما أراد أن يقسم قال: ﴿*فبعزتك*﴾.

 

---

 

## **خاتمة**

 

الشيخُ — حفظه الله — يختم بقوله: *لو أذن الله للشياطين أن يكون لهم طريق على الإنس لما أبقوا أحداً منا يمشي على وجه الأرض. ولكن الله حجزهم عنا بحاجز القدر. وقدر الله من هذا القدر هو الأذكار. فالتزموا السنة، ولا تجعلوا الجنَّ شغلكم الشاغل.*

 

---

 

*تمَّت التحقيق والتنسيق بحسب ما سمع من محاضرة فضيلة الشيخ أ.د. فرحان الطائي — حفظه الله ورعاه — في مساء يوم الأحد 5 يوليو 2026م، على منصة الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة.*